محمدحسن القبيسي العاملي
50
تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي
« انا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا » . وان كانوا يفسرون الروح هنا بالفهم . . ولكن هذا الفهم لا يؤتيه للانسان الا إذا وصل إلى مرحلة من الشفافية الروحية والقدرة على الاستشفاف الفكري ، حتى يتمكن من استيعاب معطيات القرآن وتقمص روحه واستشفاف النور الذي يعطيه للمتقين ، وهم الجماعة الذين توفرت فيهم الشروط لتلقي هذا النور السماوي والتفاعل مع الروح الإلهية . ومن الناحية الفنية . . تحمل الآيات في ثناياها كل عوامل التأثير النفسي ، وكل عناصر التخشيع الروحي والترقيق العاطفي والحسي ، بل فيها من الصور الفنية ما تفعل فعل السحر ولكنه ليس بسحر ، انه ذكر اللّه الذي يؤثر في النفوس المؤمنة فيبعث فيها الوجل والخشوع ويزيدها ايمانا وهدى ، فتنبعث كالشرارة الملتهبة لتنير وتحرق درب الحق ، وتحرق أشواك الباطل من امام السائرين . « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » سورة الأنفال - آية 2 . وهذه كلها تشكل سايكولوجية القرآن . هذه السمفونية الموجودة في الآيات ، والكلمات المنغومة وحتى الاشكال الهندسية في قصر وطول الآيات ضمن كل سلسلة منها . . هذه كلها تتكلم وتتحرك وفيها روح . . وتنبض بالاحساس . وتتضافر هذه النواحي كلها في صناعة الروح المؤمنة ، وصياغة الانسان في داخل الانسان ، وتحاول انعاشه وتنوير فكره وقلبه ، وتفجير الأحاسيس المختلفة في نفسه ومن قبل هذا أو ذاك تحاول إثارة التفكر والتدبر في عقله وتبعثه على التأمل . .